يروي خُريدة بن أسماء قصة عجيبة
يروي خُريدة بن أسماء قصة عجيبة فيقول:
خرجنا ذات عامٍ قاصدين الحج، وكنا جماعةً في رفقةٍ واحدة، نسير معًا وننزل معًا حيث أدركنا الليل أو أعيتنا الطريق.
وبينما نحن في مسيرنا، نزلنا منزلاً من منازل الطريق، وكان معنا في تلك الرفقة امرأة، لا يُعرف عنها في ظاهر أمرها شيء يريب، فأنزلنا رواحلنا، وأخذ كلٌّ منّا قسطه من الراحة بعد عناء السفر.
وفي أثناء ذلك، نامت المرأة نومًا عميقًا، ثم ما لبثت أن انتبهت من نومها، فإذا بنا نرى منظرًا أدهشنا وألقى الرهبة في قلوبنا: حيّة عظيمة قد تطوّقت حول عنق المرأة،
ملتفّة عليه التفاف القلادة، ومع ذلك لم تكن تؤذيها، ولم نرَ منها لدغًا ولا حركة عدوانية، بل كانت ساكنة كأنها موضوعة موضع الحراسة لا الأذى.
فوقفنا جميعًا مشدوهين، وقد استولى علينا الخوف والدهشة، فلم يجرؤ أحدٌ منا أن يمد يده لينحي الحيّة عنها،
خشية أن تثور فتؤذي المرأة أو تؤذينا نحن. وبقيت الحيّة على حالها، ملازمةً عنق المرأة، لا تفارقها، ونحن نراقب ذلك المشهد الغريب في صمتٍ ثقيل، لا نملك له تفسيرًا ولا حيلة.
ثم سرنا من منزلنا ذاك، والمرأة معنا، والحية ما زالت مطوّقة عنقها، حتى قاربنا الحرم الشريف، فلما أبصرت الحيّة معالم الحرم، وإذا بها تنفكّ عنها فجأة، وتنساب على الأرض انسياحًا سريعًا، ثم تمضي مبتعدة حتى غابت عن أبصارنا.
فعند ذلك حمدنا الله تعالى على سلامة المرأة، ودخلنا مكة المكرمة، فأدّينا مناسك حجّنا، وقضينا ما كتب الله لنا من العبادة، ونحن لا نزال نتحدث فيما بيننا عن تلك الحادثة العجيبة التي لم نرَ مثلها قط.
وفي مكة، رآها الغريض المغنّي، وكان قد سمع خبرها وما تناقله الناس من أمرها، فدنا منها وقال لها ساخرًا أو متوعّدًا:
«يا شقيّة، ما فعلت حيّتك؟»
فأجابته المرأة، وهي لا تدرك ما وراء كلامه:
«في النار.»
فقال لها الغريض كلمةً غامضةً ذات مغزى عميق:
«ستعلمين من في النار.»
فضحكت المرأة ضحكة من لم يفهم المراد، ولم تُعر لكلامه اهتمامًا، ولم يظهر عليها خوف ولا انزعاج، ثم ارتحلنا جميعًا عائدين من مكة، سالكين الطريق نفسه الذي جئنا منه.
حتى إذا بلغنا الموضع الذي كنا قد نزلناه أول مرة، حيث وقعت حادثة الحيّة، وإذا بنا نفاجأ بتلك الحيّة ذاتها تعود من حيث كانت قد انسابت سابقًا، فتتجه مباشرة إلى المرأة، وتلتف حولها مرة أخرى.
فلما أحسّت المرأة بالألم، ونظرت، عرفت الحيّة بعينها، فعلا صوتها، واشتد جزعها، وفي تلك اللحظة أصدرت الحيّة صفيرًا شديدًا، فما هي إلا لحظات حتى رأينا الوادي من حولنا يموج، وكأن الأرض قد انشقّت، فإذا الحيّات تسلّ علينا من كل جانب، من شعاب الوادي ومن جنباته.
فانقضّت الحيّات على المرأة، ونهشتها نهشًا شديدًا، ونحن ننظر لا نملك دفعًا ولا خلاصًا، حتى لم يبقَ منها إلا عظامًا بالية، وقد فُعل بها ما لم نرَ مثله قط.
ثم انصرفنا من ذلك المكان مذعورين، وقد خالط قلوبنا الرعب والعجب، فقلنا للجارية التي كانت تصحب المرأة:
«ويحكِ! أخبرينا بخبر هذه المرأة، فقد رأينا منها أمرًا عجيبًا لم نرَ مثله قط.»
فقالت الجارية، وقد انكشف السرّ أخيرًا:
«نعم، لقد بغت هذه المرأة ثلاث مرات، وكانت في كل مرة تحمل وتلد غلامًا، فإذا وضعت ولدها أوقدت تنّورًا، ثم رمت الغلام فيه، وتكتم خبره، ولا يعلم أحد بما صنعت.»
قال الراوي:
فقلت عند سماعي هذا الخبر: «سبحان الله! ما أعجب هذا الأمر!»
وتذكّرت حينها قول الغريض لها: «ستعلمين من في النار»، فعلمنا أن كلمته لم تكن عبثًا، وأن ما نزل بالمرأة كان جزاءً لما اقترفته من عظيم الإثم، فازداد تعجّبنا من أمرها،
وعظم في نفوسنا شأن ما رأيناه، وبقيت هذه القصة مثالًا يُتحدّث به عن عاقبة الذنوب المستترة إذا كشفها الله في وقت لا ينفع فيه الندم.
كتاب اخبار النساء لابن الجوزي.